انتشار المسيحية
فيما انتشرت الكنيسة، أخذت إليها لغات شعوبٍ كثيرة وعقولها. أربع مدنٍ عظيمة — أورشليم وأنطاكية والإسكندرية والقسطنطينية — صاغت الإيمان الذي نحمله اليوم.
فيما كانت الكنيسة تنتشر، رحّبت بالثقافات الكثيرة التي التقتها وتكيّفت معها، متمسّكةً بكلّ ما يوافق الإنجيل. أخذت إليها لغات الشعوب وطرق تفكيرها، كما وصفتُ في تتبّع رحلاتها الأولى في الكنائس الشرقية: لمحة تاريخية. ومن تلك الروح الرسولية نهضت أربع مدنٍ عظيمة كركائز للمسيحية المبكرة.
أربع مدن، إيمانٌ واحد
صارت أورشليم وأنطاكية والإسكندرية والقسطنطينية، كلٌّ منها، مركزًا للكنيسة الفتيّة. أورشليم هي أمّ الكنائس كلّها، المكان الذي تأسّست فيه الكنيسة. وأنطاكية أسّسها القديس بطرس، مع زياراتٍ متكرّرة من القديس بولس. والإسكندرية في مصر تكرّم القديس مرقس مؤسّسًا لها، أمّا القسطنطينية — المعروفة أوّلًا بيزنطة — فصارت العاصمة الجديدة للإمبراطورية الرومانية في عهد الإمبراطور قسطنطين.
كانت هذه المدن البطريركية توجّه الأقاليم من حولها، فتصوغ تعيين الأساقفة ونموّ اللاهوت والعبادة. وعملت معًا على صوغ العقيدة المسيحية عبر المجامع المسكونية، التي حدّدت إيمان الكنيسة جمعاء — ومنها قانون الإيمان النيقاويّ العظيم. (أكتب عن قانون الإيمان والمجامع التي أعطتنا إيّاه في الثالوث الأقدس.) وللأسف، أدّت الفوارق في الثقافة واللغة بين هذه المدن مع الزمن إلى الانقسام، أكثر من أيّ خلافٍ حقيقيّ في العقيدة.
أورشليم
أورشليم هي أمّ الكنائس كلّها، لأنّها حيث مات ربّنا وقام. كثيرٌ من أعيادنا الأقدم وُلدت هناك، محتفلةً بأحداث حياة المسيح في المواضع عينها التي جرت فيها — سبت لعازر، وأحد الشعانين، والصلب، والقيامة المجيدة. وبعد استشهاد القديس إسطفانوس، هرب المسيحيون اليهود شمالًا إلى أنطاكية. وكان القديس يعقوب الرسول أوّل أساقفة أورشليم، وإن لم تصر المدينة قطّ قوّةً كبرى داخل الكنيسة. واليوم تحتضن أورشليم جماعاتٍ شرقيةً وغربيةً كثيرة — من كاثوليك لاتين ولوثريين وأنغليكان وغيرهم.
أنطاكية
كانت كنيسة أنطاكية ساميّةً في العمق، وحفظت من العادات اليهودية أكثر من أيّ كنيسةٍ أخرى، وفيها كانت أكبر مدرسة ربّانية خارج فلسطين. وبعدما كانت قلبًا نابضًا للمسيحية، صارت المدينة اليوم مسلمةً في معظمها. وصل الإيمان من أورشليم فاستقبله أوّلًا اليهود المحلّيون ثمّ الأمم. وهنا نشأ السؤال عمّا إذا كان على المهتدين من الأمم أن يختتنوا ويحفظوا الشرائع الغذائية — وهنا أدركت الكنيسة أنّه ليس على المرء أن يصير يهوديًّا ليكون مسيحيًّا. وفي أنطاكية أيضًا استُعملت للمرّة الأولى كلمتا مسيحيّ وكاثوليكيّ.
بحلول القرن الثالث، كانت المدرسة المسيحية في أنطاكية قد فاقت المؤسّسات اليهودية القديمة ونافست مدرسة الإسكندرية. وترك المرسلون الأنطاكيون أثرهم في أنحاء الشرق، بالغين حتى الصين. غير أنّ المدينة عانت كثيرًا — انشقاقاتٍ لاهوتية، وغزواتٍ من الفرس ثمّ من العرب المسلمين. وتسع كنائس متمايزة تعود بجذورها إلى أنطاكية، منها الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية والكنيسة السريانية الأرثوذكسية. (أرتّب تلك العائلة من الكنائس في فهم الكنائس الشرقية.)
الإسكندرية
قصّة الإسكندرية أبسط. حمل القديس مرقس الإيمان إلى مصر، فكانت تربةً خصبة. وحتى بعد اثني عشر قرنًا من الحكم المسلم، لا تزال المسيحية باقيةً هناك. والرهبنة نفسها بدأت في مصر، إذ خرج رجالٌ ونساء إلى البرّية للصلاة والاقتراب من الربّ. وأخذت كنيسة مصر دورًا فاعلًا في المجامع الأولى، ونهض من رجالها القديس أثناسيوس والقديس كيرلس متحدّثَين عظيمَين باسمها.
وخلاف الإسكندرية مع مجمع خلقيدونية سنة 451 كان إيذانًا بانقسامٍ دائمٍ عن كنيستَي القسطنطينية وروما. ومن الإسكندرية انتشر الإيمان الرسوليّ العريق باكرًا إلى إثيوبيا، التي احتضنت المسيحية على طريقتها، بالرقص والصور الإفريقية المميّزة في فنّها المقدّس.
القسطنطينية
بلغت القسطنطينية شأوها حين جعلها الإمبراطور قسطنطين العاصمة الجديدة للإمبراطورية الرومانية في القرن الرابع، فصارت قلب الإمبراطورية البيزنطية. وقد ظلّ ذلك الإمبراطورية ذا سلطانٍ عظيم إلى أن سقطت المدينة بيد الأتراك المسلمين سنة 1453. وفيما كانت تنمو، كانت الكنيسة البيزنطية تنمو معها، فصاغت قداسها انطلاقًا من القديس يوحنا الذهبيّ الفم، وأخذت بهاء البلاط الإمبراطوريّ.
وحين يفكّر معظم الناس اليوم في الكنائس الشرقية، تخطر ببالهم الكنائس البيزنطية — الأرثوذكسية اليونانية والروسية. والمسيحيون البيزنطيون هم أكبر جماعات المسيحيين الشرقيين، منتشرون في أنحاء الأرض المقدّسة واليونان وروسيا وأوروبا الشرقية وما وراءها. وكثيرٌ من الكنائس الكاثوليكية البيزنطية، كالأوكرانية والروثينية، حاضرةٌ في العالم أجمع.
أيّها الأصدقاء الأحبّاء، حين نرى كيف تجذّر الإيمان الواحد في تربٍ كثيرة، ينبغي أن نتعجّب بدل أن نرتبك. فالإنجيل عينه الذي بُشّر به في أورشليم رُتّل باليونانية، وصُلّي به بالسريانية، ورُسم بالذهب الإثيوبيّ. اشكروا على ميراثٍ بهذا الغنى، ودعوه يوسّع قلوبكم نحو كلّ أخٍ وأختٍ يدعو الربّ عينه.
الخوري دون ساوير — المعروف بمحبة بـ«أبونا دون» — أمضى حياته في تعليم الإيمان. موهبته أن يجعل تقليد الكنيسة الغني يبدو كحديثٍ حول مائدة المطبخ.